محمد جمال الدين القاسمي
53
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
وإنما يأتيني الخصم . فلعلّ بعضكم أن يكون ألحن بحجّته من بعض فأقضي له . فمن قضيت له بحقّ مسلم فإنما هي قطعة من نار . فليحملها أو ليذرها . فدلّت هذه الآية الكريمة وهذا الحديث على أنّ حكم الحاكم لا يغير الشيء في نفس الأمر . فلا يحل في نفس الأمر حراما هو حلال ، ولا يحرم باطلا هو حلال . وإنما هو ملزم في الظاهر . فإن طابق في نفس الأمر فذاك . وإلّا فللحاكم أجره . وعلى المحتال وزره . ولهذا قال تعالى في آخر الآية وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أي : تعلمون بطلان ما تدعونه وتروجونه في كلامكم . قال قتادة : اعلم يا بني آدم . . ! أنّ قضاء القاضي لا يحل حراما ، ولا يحقّ لك باطلا . وإنما يقضي القاضي بنحو ما يرى وتشهد به الشهود ، والقاضي بشر يخطئ ويصيب . واعلموا أنّ من قضى له بباطل أنّ خصومته لم تنقض حتى يجمع اللّه بينهما يوم القيامة . فيقضي على المبطل للمحق بأجود مما قضى به للمبطل على المحق في الدنيا . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 189 ] يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( 189 ) يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ أخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية : بلغنا أنهم قالوا : يا رسول اللّه ! لم خلقت الأهلّة ؟ فنزلت . و روى أبو نعيم وابن عساكر عن ابن عباس قال : نزلت في معاذ بن جبل وثعلبة بن غنم . قالا : يا رسول اللّه ! ما بال الهلال يبدو - أو يطلع - دقيقا مثل الخيط ، ثم يزيد حتى يعظم ويستدير ، ثم لا يزال ينقص ويدقّ حتى يعود كما كان ، لا يكون على حال واحد ؟ فنزلت . ومعنى كونها مَواقِيتُ لِلنَّاسِ معالم لهم في حلّ دينهم ، ولصومهم ، ولفطرهم ، وأوقات حجهم ، وأجائرهم ، وأوقات الحيض وعدد نسائهم ، والشروط التي إلى أجل . فكلّ هذا مما لا يسهل ضبط أوقاتها إلّا عند وقوع الاختلاف في شكل القمر زيادة ونقصا . ولهذا خالف بينه وبين الشمس التي هي دائمة على حالة واحدة . قال بعض المفسّرين : ثمرة الآية أنّ الأحكام الشرعية - كالزكاة والعدد للنساء والحمل تتعلق بشهور الأهلّة لا بشهور الفرس . أمّا ما تعلّق بالعقود والأفعال المتعلقة